نعم لمن نشتكي، ومن السبب في ازهاق هذه الأرواح البريئة ، أرواح
العمال والكادحين الذين يبحثون في هذا الزمن الكئيب عن لقمة عيش
ممزوجة بالدم لأطفالهم في دولة الرعب وبين أنياب الوحوش الكاسرة،
بهائم في هيئة بشر؟!
ربما أتجاوز هذه المرة حدود المواساة والتعازي التقليدية لذوي
ضحايا بعشيقة وبحزاني، مجزرة الأحد الدامي 22/ نيسان/2007 ولن
أتوقف فقط عند عبارة ( رحمهم الله وأسكنهم فسيح جناته.) لأنه ليس
عندي من الدموع ما يكفي لإطفاء النار الملتهبة في صدور العشرات،
بل المئات من الشيوخ والعجائز، الأمهات والآباء، الأخوة
والأخوات، الزوجات، بل العشرات من الأيتام من أبناء وأحفاد
الضحايا المغدورين، الذين تركوا بدون معيل..لا من يطفئ إحتراقي
الداخلي وألمي الحزين لأولئك الأبرياء وأنا البعيد عدة آلاف من
الكيلومترات! ليست لدي كلمات تليق بهول وضخامة هذا الحدث
الأليم!
بأي صفة أناديكم، لا أدري بالضبط ؛ هل أناديكم أيها ال "شهداء" !
كلا، البرابرة الارهابيون الذين يفجرون أنفسهم يومياً ويقتلون
العشرات بل المئات من الأبرياء على أرض العراق وفي بقية الدول
العربية والشرق أوسطية، يتباهون بنيلهم ال" شهادة" وأكل وجبة
الغداء مباشرة بعد فعلتهم القذرة هذه في السماء!!
الأقرب الى الواقع أنتم الأبرياء ضحايا مغدورين لثالوث مشؤوم
لفكر ( العصبية القبلية + العنصرية القومية العروبية الإستئصالية
+ العنصرية والتعصب الديني الأعمى) ، هذه الأركان تجسدت بامتياز
في فكر ونهج حزب البعث. ألم يرفع هذا الحزب عندما استلم السلطة
في العراق الشعارات : " جئنا لنبقى!" و " من يريد أن يستلم
السلطة من البعث، يستلمها أرض بدون بشر!" و " أمة عربية
واحدة ذات رسالة خالدة"!
أي أن رقعة " الوطن العربي" تمتد من المحيط الى الخليج، وهي أرض
عربية خالصة نقية لا وجود ولا اعتراف فيها بالقوميات والاثنيات
غير العربية ولا بالأقليات الدينية.
أصبح شعار " جئنا لنبقى" من خبر كان ، وتم تحرير العراق من قبل
التحالف الأمريكي وتضحيات الشعوب العراقية والقضاء بدون رجعة على
نظام البعث الحاكم صبيحة التاسع من شهر نيسان 2003، إلاّ أن
الخطأ الفادح للأمريكيين وساستهم في العراق هو حمايتهم للرموز
والعناصر البعثية المجرمة - وما زالوا مستمرين على ذلك النهج
وتلك السياسة- وعدم إطلاق يد ضحايا ذلك النظام لمدة شهر فقط
ليحاسبوا رموز القمع والتعذيب والخراب كي ينالوا جزائهم العادل،
لكن بدل ذلك وبعد أن رأى هؤلاء المجرمون لا اعتقال ولا محاسبة
على جرائمهم السابقة ، بدأوا باستعادة تنظيماتهم تحت واجهات
دينية ك" جيش محمد" و " أنصار الاسلام" و "جيش عمر".و " جيش
التحرير" ..وقاموا بالتنسيق مع الجماعات التكفيرية ومنظمات
القاعدة ورعاع العرب ولصوصهم وقطاع طرقهم وبدعم من غالبية أنظمة
الدول العربية ودول الجيران بتدمير العراق وشعبه.
إذن مآساتنا بالدرجة الأولى والأساسية، أيتها الأرواح البريئة،
جزء من مآساة الشعوب العراقية الذي ابتلت ببقايا حزب البعث
النازي المتوحش والحالمين بعودته وعودة الديكتاتورية البغيضة،
وبغربان العرب من المغرب العربي الى مصر واليمن والسعودية
والأردن، وبأبناء الشوارع والمجرمين من خريجي السجون، وفاقدي
الضمير الانساني من مرتزقة دول الجوار خاصة سوريا ، ايران
وتركيا. ..يتطلع الكورد الايزيديون مع كل شرفاء العراق من جنوبه
ووسطه وكوردستانه ،رغم ضريبة الدم الباهضة، الى الغد الديمقراطي
المشرق، وأن ينعموا بثمار الحرية والمساواة وحرية المعتقد
والمواطنة الكاملة.
بدأت أقف ملياً عند الكثير من المصطلحات والمفاهيم، مثل: "
الشهادة – الشهيد" وأراجع مع نفسي مفهوم " الجنّة" و " السماء"
وأفكر وأبحث بعمق عن مفهوم " الدين" وأشياء أخرى!... لأنني أسمع
كثيراً عبر الفضائيات وسائل الاعلام المرئية والمسموعة، وفي
أحاديث المجالس والندوات، وأقرأ في الكثير من الكتب والمقالات
التي تنشر هنا وهنالك أن لا علاقة للدين بما يحدث، وأنه (أي
الدين) برئ منه ، وهو يدعو الى الأخوة والتسامح والمحبة...الخ.
هل فعلاً الدين وتعالميه بريئة نظيفة مائة بالمائة مما يحدث من
صراعات دموية ، ليس بين الأديان المختلفة وانما حتى بين مذاهب من
دين واحد؛ كما هو الحال بين الكاثوليك والبروتستانت المسيحيين،
أو الكاثوليك الايفانغيليشيين.، وكذلك عند الاسلام بين الشيعة
والسنّة. وبدرجة أقل عند الايزيدية .
يحمل تعاليم كل دين بين طياته الكثير من المتناقضات الحادة
والصارخة أحياناً، والخفية أحياناً أخرى. فالى جانب الدعوة الى
الأخلاق الحميدة والمحبة والتسامح، فان كل دين يحتكر الحقيقة
المطلقة ويعتبر ما سواه باطل وربما اعتبار الآخر المخالف كافراً
يحلل قتله! أليس " الجهاد" في الدين الاسلامي الساري مفعوله أكثر
من 1400 عام الغاء للفكر الآخر المخالف؟. أليس القيود التي يفرضه
كل من الدين اليهودي والمسيحي والاسلامي والايزيدي والزرادشتي
والصابئي المندائي...الخ على معتنقيهم بعدم جواز الزواج خارج
ديانته بحجة المحافظة على نقاوة الدم ، فكرة عنصرية ضد الرغبات
الانسانية.؟! لماذا تعتبر المرأة المسلمة مرتدة والرجل مرتداً
يقتلان عندما يريدان تغيير دينهما، اللذان لم يختاراه بارادتهما
؟! وتنطبق نفس الحالة على معتنقي الايزيدية واليهود والصابئة
المندائيين من كلا الجنسين، يقتلون ، أو يلفظون ويحتقرون من
دياناتهم على أحسن تقدير؟!
أليس الأربعة والعشرون قتيلاً من بعشيقة وبحزاني ، ومئات آلالاف
ممن سبقهم عبر التاريخ، هم ضحايا تلك الأفكار العنصرية المريضة
بحجة أن فتاة ايزيدية ( أعلنت اسلامها) وتم قتلها من قبل بعض
الايزيديين المجرمين؟.
الخلل الكبير هو احتكار الأديان ، بعبارة أدق معتنقي تلك
الأديان، الحقيقة المطلقة واليقين الكامل لأنفسهم واعتبار
المعتقد والرأي الآخر المخالف باطلاً ومعتنقوه كفاراً!. من كلف
هؤلاء أن ينصبوا أنفسهم وكلاء الله على الأرض؟ هل هنالك إله واحد
وربّ واحد لكل العالم والديانات، أم هنالك إله لكل دين ؟ المعروف
لدى جميع المتدينين في العالم أن هنالك إلاهاً واحداً أحداً
للكون، لكن طريقة عبادته ومعرفته والتقرب اليه تختلف من دين الى
آخر. لماذا إذن يصّر المتعصبين الاسلاميين من بين الأديان الأخرى
بفرض ( إلاهها) ، فلسفتها ورأيها ونبيها على الآخرين، ويعاقب
بشكل فردي أو جماعي وعلى الهوية (في مجزرة بعشيقة وبحزاني)
معتنقي الأديان الآخرى؟...ما دخل مسلم من المغرب والجزائر
والسعودية وسوريا وباكستان أن يرسم للآخرين طريقة تفكريهم
ورؤيتهم الى الخالق والخليقة ويفرض عليهم أفكار البداوة والتخلف
والجاهلية!. إذا كان هؤلاء البشر مطمئين وعلى يقين أن الله
والسماء والجنّة والحواري والغلمان لهم، فليفجروا أنفسهم بشكل
جماعي في دولهم وأثناء مراسيمهم وطقوسهم الدينية كي يصعدوا الى
السماء ويستقروا فيه! اصعدوا الى سمائكم واتركوا للآخرين الأرض
ولا تفسدوه عليهم، لكم جنّة السماء، ولهم جنّة الأرض!!.
هذه إشكالية كبيرة في عصرنا الحالي، عصر التقدم العلمي الجبار،
بشر يعيش بجسده في هذا القرن إلاّ أن عقله وتفكيره مشدود للماضي،
للقرن الخامس الميلادي وربما قبله بكثير. لا يدري أن زمن السيف
والحصان قد ولى، ولا يتمكن السيف أن يقف بوجه القنبلة الذرية
والصواريخ الذكية وسلطان الكومبيوتر والانترنيت! وفي نهاية
المطاف لا تحل هذه الاشكالية إلاّ عبر الحوارات وتلاقح الثقافات،
ومن خلال تطبيق القانون الوضعي وتأمين حقوق الانسان وحفظ حريته
وكرامته في جميع المجالات، وفي اختيار النظام العلماني الانساني
كمنهج لقيادة المجتمع وبالتالي فصل الدين عن الدولة في كل مكان.
إذا كنا نلاحظ في زمننا الردئ هذا انحساراً وتراجعاً للكثير من
الأفكار والقيم الانسانية الجميلة بحيث صار الانسان اليساري
والقومي الوطني والمثقف متديناً أو متستراً تحت عباءة الدين ،
وبالتالي أصبح الجميع يسبح مع التيار الديني الجارف دون أن يدري.
وفي المقابل نرى تصاعد وتيرة العنف والارهاب على المستوى
الأقليمي، إلاّ أن كل ذلك لم ولن يزكي الدين أن يكون في يوم من
الأيام بديلاً لحل مشاكل انسان القرن الحادي العشرين. ان الدين ،
والنص الديني- كما يقول الدكتور علي الوردي- متعال على الواقع،
أي أنه بالضرورة يقع خارج الشرط البشري، فاذا جاء بشر وجعلوه
مرجعاً أوجد لهم في كل شأن من شؤون الدنيا، السياسية، الاجتماع
والاقتصاد...الخ، فأنها المصيبة الكبرى.
مشكلة الدين والنص الديني، أنه لا زمني،ولا مكاني، فيما نحن
البشر زمنيون ومكانيون ننتمى الى جغرافية معينة ، لذلك أفضل لنا
أن نغترب عن هذا النص، ولا نغترب عن واقعنا وتاريخنا وجغرافيتنا.
ما سبق كانت رؤية مختصرة من حولنا، السؤال : أين الايزيديون من
هذا البحر الهائج ، وأين موقعهم على خارطة الشرق القلقة المليئة
بالصراعات الدموية شبه المزمنة ، وماهي الأسباب والدوافع وراء
قتل 24 بريئاً ايزيدياً من بعشيقة وبحزاني بدم بارد من قبل
ارهابيين اسلامويين عراقيين ومن دول عربية أخرى حسبما رواه أحد
الجرحى الناجين من المذبحة الرهيبة ؟! وهل حادثة الشيخان 15/آذار
وقتل الفتاة " دعاء" رجماً بالحجارة يوم 7/نيسان/2007 كان ردّ
فعل الجناة الهمج الاقدام على تلك الجريمة الوحشية؟
يمكن أن نلخص ما قيل في ثلاثة نقاط وهي:
1-
لماذا وصل الوضع الى ما وصل اليه؛
2-
ماذا يجب أو ماذا يفترض أن ندركه؛
3-
ما العمل؟ السؤال التقليدي الذي يسأل غالباً؛
أشرت ضمن تحليلي أعلاه الى أكثر من سبب قادت الى مجزرة أهالي
بعشيقة وبحزاني على أيدي الارهابيين الجبناء في مدينة الموصل،
كانت أولها وأهمها نظام البعث الذي حكم العراق أكثر من خمسة
وثلاثين عاماً ، بحيث لم يسلم العراقيون من ارهابه وجرائمه لا
عندما كان في السلطة ولا بعد أن تم قبره. فبعد تحرير العراق
والغاء جميع مؤسسات الدولة ، أصبح العراق ساحة مفتوحة لأعداء
أمريكا وأعداء الديمقراطية وأعداء الشعوب العراقية ، نظم
البعثيون أنفسهم وصار هنالك فلتان أمني، وغياب السلطة والقانون،
وإزدادت عصابات المافيا والجريمة المنظمة ، وتراجع الفكر الوطني
الديمقراطي اليساري أمام المد الاصولي التكفيري.الطائفي...وأصبحت
الأقليات الدينية كالمسيحيين والصابئة المندائيين والايزيديين
ضحية التطرف الديني والارهابيين من أزلام النظام السابق
والاسلاميين التكفيريين.
بعد مسيرة العملية السياسية في العراق بدأً من تشكيل مجلس الحكم
وانتهاءاً بالانتخابات البرلمانية وتشكيل الحكومة في المركز
وكوردستان، شعر الايزيديون كأقلية دينية أن حقوقهم مهضومة ولم
يرفع عنهم الغبن التاريخي، فتعالت في داخل الوطن وخارجه أصوات
عدم الرضا والاحتجاح، وتم انشاء مراكز وتجمعات وفتح مواقع
الكترونية وتأسيس حركات سياسية، طبعاً كان يحدث كل ذلك وما زال،
في ظل غياب قيادة ايزيدية بمستوى الأحداث، وشلل في دور الأمير
والمجلس الروحاني، والأنانية المفرطة للمسؤولين الايزيديين في
الحزبين الكوردستانيين الحاكمين ،خاصة المجموعة التي فرضت نفسها
على مركز لالش بافعالهم وتصرفاتهم غير الحكيمة وألحقوا أولاً
أضراراً بسمعة الحزب الديمقراطي الكوردستاني وسببوا في ابعاد
جماهير غفيرة منه وبالتالي خلق جدار من عدم الثقة بين تلك
الجماهير والحزب الديمقراطي الحاكم الفعلي في منطقة بهدينان. ومن
جانب آخر أدت تصرفاتهم في احكام قبضتهم على جميع شؤون الايزيدية
الى شق صفوف الايزيديين أنفسهم.
الى جانب ما تم الاشارة اليه توجد هنالك سلسلة من التراكمات
الأخرى ؛ تاريخية ، نفسية، قديمة وحديثة ولدت بالمقابل لدى الطرف
الايزيدي نوع من التطرف الديني ، يمكن أن نلخص أبرزها في الرؤوس
نقاط التالية:
-
فتح مدارس دينية خاصة في بعض المناطق الايزيدية ، وتدريس منهج
الايزيدياتي ، الذي لم يكن بالمستوى المطلوب، للطلبة والطالبات
في مدارس كوردستان قاد الى نتائج عكسية على مستوى تربية الطفل
والشبيبة وكذلك المجتمع. وفي الطرف الآخر (المجتمع الاسلامي
المتدين) أثارت تلك الخطوة حفيظته نفسياً ، وأصبح يحقد في داخله
على الايزيديين ومن يقف ورائهم في حكومة كوردستان التي سمحت
بتدريس مادة الدين الايزيدي. ( المدارس الدينية للأطفال والشبيبة
تصنع منهم، شئنا أم أبينا، قنابل موقوته كما هو الحال في مدارس
باكستان وأفغانستان والسعودية).
-
ظهور الحركة الايزيدية من أجل الاصلاح والتقدم واثارتها للجانب
الديني والتركيز على الابادات وحملات التنكيل ووضع جريرة ذلك فقط
على عاتق المسلمين الكورد، ومعاداة كل ماهو كوردي، مما خلق حالة
من الانغلاق الديني لدى مجموعة لابأس بها من الايزيديين وولد
لديهم حساسية مفرطة من الشعب الكوردي عموماً؛
-
النهج الذي سلكته بعض الصفحات الالكترونية الايزيدية تحت يافطة
الديمقراطية وحرية التعبير، وتركيزهم بشكل كبير على الجانب
الديني، والهجوم المباشر من خلال المقالات والتعليقات على
الأكراد وقيادته وأحزابه. بحيث لا نكاد نفرق بين إحدى هذه الصفحة
الالكترونية (الايزيدية) وبين صفحة بصرة نيت التي تدار من قبل
فلول البعث المقبور!؛
-
تصريحات بعض الايزيديين النارية غير المسؤولة وغير المدروسة ، في
الداخل والخارج، عبر الفضائيات أو من خلال لقاءات صحفية عربية،
أو من خلال مقالات، يعتقد صاحبها أن ما يصرح به ويدعو اليه هو في
صالح الايزيدية، لكن تلك التصريحات لم تكن سوى كسب تصفيق وقتية،
ولا تقل خطورة ما يكتب ويقال من تصريحات صالح المطلق وعدنان
الدليمي في موقفهما من القومية الكوردية وحقوق الأقليات الدينية
والتجربة الديمقراطية؛
-
التطرف الديني الاسلامي ، والعمليات الارهابية والمواقف
التكفيرية تولد بالنتيجة تطرف ديني لدى الطرف الديني المقابل؛
-
أخطاء بعض الكوادر الحزبية العاملة من كلا الحزبين الكوردستانيين
الحاكمين بين الايزيديين وعدم معرفتهم لطبيعة المجتمع ونفسية
الفرد الايزيدي وكيفية التعامل معه، أدى حالة من التململ وعدم
الثقة بين الطرفين؛
-
الأسباب المذكورة أعلاه وغيرها التي لم تذكر أوصلت الايزيدية الى
يوم 15/شباط/2007 (حادثة الشيخان) ، وهنا فقد عبرت عن موقفي بشأن
أسباب تلك الحادثة في مقابلة اجريت معي من قبل الصحفي خدر دوملي
ونشرت في الكثير من المواقع ، فلا داعي لتكرار ما جاءت فيها.
الشئ الذي نود اضافته هنا ، ما دمنا بصدد الموقف من التطرف
الديني وما دام البعض منهم استغلوا حادثة خروج الشابين
الايزيديين مع فتاة مسلمة، هو أن الجنس من الناحية الطبيعية
والفيزيولوجية من أقوى الغرائز بل أخطرها لدى الانسان. ليس للجنس
هوية ، فهو أممي لا يعرف حدود الطبقات والأديان وحتى المحرمات،
ولهذا وضع له المجتمع وكذلك الأديان الكثير من الضوابط والعقوبات
لمن لا يلتزم بتلك التعاليم. وعليه كان على الشابين الايزيديين
وكذلك الفتاة المسلمة (إذا كانت التهمة الموجهة اليهم صحيحة) أن
يسافروا الى دولة أخرى ليفرغوا " شحناتهم الجنسية" في الأماكن
المخصصة لها! وهم يعرفون جيداً أن تلك العلاقة محرمة دينياً لدى
الايزيدية والاسلام على حد سواء؛ ألم يعرفوا ذلك من التربية
البيتية وتربية المجتمع ومن المنهج الدراسي الديني؟! ودرءاً لكل
تلك المخاطر التي حدثت بسببها، كان يفترض بهم وكان يفترض أيضاً
والحالة هذه أن تحل عوائل الطرفين ( الشابين والفتاة) تلك
المشكلة الاجتماعية فيما بينهم ولا يستغلوها تخرج عن نطاقها
وتغدو مشكلة دينية بين الايزيديين والمسلمين الذين يتعايشون مع
البعض منذ آلاف السنين!!.
-
خلفيات حادثة الشيخان وما رافقتها من نتائج وملابسات وتحركات على
جميع الأصعدة، صارت تغلي على نار قوية بحث ظهرت نتائجها بسرعة
غير متوقعة وبشكل تراجيدي- مأساوي ( قتل الفتاة دعاء بطريقة
وحشية يوم 7/نيسان) والانتقام المزعوم لدم دعاء التي " أشهرت
اسلامها" وإقدام الارهابيين على جريمتهم الوحشية بقتل 24 شخصاً
وجرح اثنين من أهالي وبعشيقة وبحزاني يوم الأحد 22/نيسان! مع حجم
وهول هاتين الجريمتين، لكن إذا لم تحل بالحكمة وبالسرعة الممكنة،
علينا أن نتوقع ونخاف من القادم الأكبر والأخطر!!.
نوجه صرختنا ودعوتنا للأيزيديين قبل غيرهم والى أصدقائهم
الحقيقيين الغيورين، نحن أمام وضع خطير جداً، لا داعي لتقديم
المواعيظ من هذا وذاك ، نحن أمام امتحان الضمير، لا مجال
للمجاملات ومسح الأكتاف، نقول للمسئ أسئت، وللمقصر قصرت في
واجبك، وللمجرم أجرمت، والمتطفل على السياسة والتجارة باسم
الايزيدية هذا ليس شأنك...، لا نريد إحباط المعنويات بل رفع
الهمم والبحث مع الجميع عن أفضل السبل والحلول الآنية لتجاوز هذه
المحنة، التي ألخصها بالتالي:
·
نقول بدون تحفظ أن البيت الايزيدي خراب في خراب ورائحته تزكم
الانوف ، والدعوة الى عقد مؤتمر عام وطارئ في كوردستان أو الخارج
ذو أهمية كبيرة لمناقشة مسألة القيادة الدنيوية والدينية
المشلولة وإيجاد أساليب وطرق بديلة لها في الداخل والخارج، وكذا
الحال مع بعض الأشخاص الايزيديين الذين يستغلون مراكزهم داخل
الأحزاب الكوردستانية الحاكمة لتمرير مصالحهم الذاتية؛
·
ايجاد لغة تفاهم مع المسلمين وبقية الأديان بدل المواجهة
المباشرة واللجوء الى التطرف، فالايزيديون الذين لن يصل تعدادهم
في العالم الى مليون شخص لا يتمكنون من مواجهة أكثر من مليار
مسلم، علماً أن أمريكا بكل جبروتها عاجزة تقريباً عن مواجهة هذا
المد الأصولي؛
·
مخطئ من الايزيدية من يعتبر أمريكا واوربا ظهيراً وسنداً له على
حساب الداخل وخاصة الشعب الكوردي وأحزابه قواه الوطنية، هنا لا
أقلل من دور التجمعات والفعاليات الايزيدية في الخارج وإذا كان
بامكانهم تشكيل لوبي دائم وفعال؛
·
العمق الحقيقي والفعّال للديانة الايزيدية هو الشعب الكوردي
بأحزابه الديمقراطية وقواه الوطنية، إضافة الى القوى الديمقراطية
واليسارية العراقية؛
·
دعوة المراكز والتجمعات والمواقع الالكترونية الايزيدية في
الخارج والداخل الى مقاومة العنف والارهاب بجميع أشكاله، والى
الاعتدال وعدم نشر أية مادة تسئ الى الأديان والى الشعب الكوردي
والأحزاب الكوردستانية ، مع المطالبة بحقوقهم ضمن الواقع فهو حق
مشروع؛
·
لا بديل للايزيدية غير النظام العلماني، وهذا يتجسد في النظام
الفيدرالي في أقليم كوردستان باعتراف الجميع من عراقيين ودول
العالم، كما تتجسد العلمانية في نهج وسياسة الأحزاب الكوردستانية
وقادتهم؛
·
دعوة برلمان كوردستان الى سن قانون في دستور الأقليم يجيز للفرد
من أي دين كان أن يغيّر معتقده متى شاء دون أن يقع تحت طائلة
العقاب من أي طرف كان؛
·
وارتباطاً بمجزرة بعشيقة وبحزاني، أن يتم فتح مجالس التعزية في
أوربا، وأن تفتح رقم حساب (كونتو) أو صناديق تبرعات لجمع موارد
مالية لذوي الضحايا؛
بناء على ما تقدم يمكن الوصول الى نتيجة مفادها أن المشكلة
الايزيدية ليست مشكلة دينية بحتة، بقدركونها قضية قومية ( كون
الايزيديين جزء من الشعب الكوردي )،وهي موجهة بشكل أساسي ضد
الكورد والتجربة الفيدرالية وتفريغ مناطق الموصل منهم وافشال
المادة 140 من الدستور العراقي. وهي قضية إجتماعية، اقتصادية ،
حقوقية ،سياسية وانسانية في نهاية المطاف، لا تحل إلاّ ضمن
السياقات التي تمت الاشارة اليه، ومن خلال تطبيق النظام العلماني
في الأقليم الكوردي والذي يقابله في الطرف الآخر التطرف الديني
والفكر التكفيري وعدم قبول الآخر المختلف دينياً وقومياً
ومذهبياً.
كوتنكن في 26/4/2007